فصل: تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد **


 تقسيم نصوص الصفات وطريقة الناس فيها

تنقسم نصوص الكتاب والسنة الواردة في الصفات إلى قسمين‏:‏

واضح جلي، ومشكل خفي‏.‏

فالواضح‏:‏ ما اتضح لفظه ومعناه، فيجب الإيمان به لفظًا، وإثبات معناه حقًا بلا رد ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل؛ لأن الشرع ورد به فوجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم‏.‏

وأما المشكل‏:‏ فهو ما لم يتضح معناه لإجمال في دلالته، أو قصر في فهم قارئه، فيجب إثبات لفظه لورود الشرع به، والتوقف في معناه وترك التعرض له لأنه مشكل لا يمكن الحكم عليه، فنرد علمه إلى الله ورسوله‏.‏

وقد انقسمت طرق الناس في هذا المشكل إلى طريقتين‏:‏

الطريقة الأولى‏:‏ طريقة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه وقالوا‏:‏ كل من عند ربنا، وتركوا التعرض لما لا يمكنهم الوصول إلى معرفته والإحاطة به، تعظيمًا لله ورسوله وتأدبًا مع النصوص الشرعية، وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا‏}‏‏[‏ سورة آل عمران، الآية‏:‏ 7‏.‏‏]‏‏.‏

الطريقة الثانية‏:‏ طريقة الزائغين الذين اتبعوا المتشابه طلبًا للفتنة وصدًا للناس عن دينهم وعن طريقة السلف الصالح، فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريده الله ورسوله، وضربوا نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض، وحاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة والنقص ليشكموا المسلمين في دلالتها ويعموهم عن هدايتها، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏}‏ ‏[‏سورة آل عمران، الآية‏:‏ 7‏.‏‏]‏‏.‏

 تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال

إن الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف فيه الناس بحسب العلم والفهم، فقد يكون مشكلًا عند شخص ما هو واضح عند شخص آخر، والواجب عند الإشكال اتباع ما سبق من ترك التعرض له والتخبط في معناه‏.‏ أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد الله ما هو مشكل لا يعرف أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم، لأن الله وصف القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس، وفرقان، وأنه أنزله تبيانًا لكل شيء، وهدىً ورحمة، وهذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لا يمكن أحدًا من الأمة معرفة معناه‏.‏

 معنى الرد، والتأويل، والتشبيه، والتمثيل، وحكم كل منها

الرد‏:‏ التكذيب والإنكار‏.‏ مثل أن يقول قائل‏:‏ ليس لله يد لا حقيقة ولا مجازًا‏.‏ وهو كفر لأنه تكذيب لله ورسوله‏.‏

والتأويل‏:‏ التفسير والمراد به هنا تفسير نصوص الصفات بغير ما أراد الله بها ورسوله وبخلاف ما فسرها به الصحابة والتابعون لهم بإحسان‏.‏

وحكم التأويل على ثلاثة أقسام‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون صادرًا عن اجتهاد وحسن نية بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه لأن هذا منتهى وسعه، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا‏}‏‏[‏ سورة البقرة، الآية‏:‏ 286‏.‏‏]‏‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية فهو فسق وليس بكفر إلا أن يتضمن نقصًا أو عيبًا في حق الله فيكون كفرًا‏.‏

القسم الثالث‏:‏ أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب وليس له وجه في اللغة العربية، فهذا كفر لأن حقيقته التكذيب حيث لا وجه له‏.‏

والتشبيه‏:‏ إثبات مشابه لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله، ويتضمن النقص في حق الله حيث شبهه بالمخلوق الناقص‏.‏

والتمثيل‏:‏ إثبات مماثل لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله وتكذيب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏سورة الشورى، الآية‏:‏ 11‏.‏‏]‏‏.‏

ويتضمن النقص في حق الله حيث مثله بالمخلوق الناقص‏.‏

والفرق بين التمثيل والتشبيه‏:‏ أن التمثيل يقتضي المساواة من كل وجه بخلاف التشبيه‏.‏

 ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها

تضمن كلام الإمام أحمد رحمه الله الذي نقله عن المؤلف ما يأتي‏:‏

1- وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية‏.‏

2- أنه لا كيف ولا معنى أي لا نكيف هذه الصفات؛ لأن تكييفها ممتنع لما سبق، وليس مراده أنه لا كيفية لصفاته؛ لأن صفاته ثابتة حقًا، وكل شيء ثابت فلابد له من كيفية، لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا‏.‏

وقوله‏:‏ ولا معنى أي‏:‏ لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليس مراده نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف فإن هذا ثابت، ويدل على هذا قوله‏:‏ ‏"‏ولا نرد شيئًا منها، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نعلم كيفية كنه ذلك‏"‏‏.‏ فإن نفيه لرد شيء منها، ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها‏.‏

3- وجوب الإيمان بالقرآن كله محكمه، وهو ما اتضح معناه، ومتشابه وهو ما أشكل معناه، فنرد المتشابه إلى المحكم ليتضح معناه، فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظًا، وتفويض معناه إلى الله تعالى‏.‏